علي بن مهدي الطبري المامطيري

204

نزهة الأبصار ومحاسن الآثار

باب المتاب والاستعتاب « 1 » ، ومتى شئت يسمع دعاك ونجواك ، فأفض إليه بحاجتك ، وابثثه ذات نفسك « 2 » ، وأسند إليه أمرك ، ولتكن مسألتك فيما ينفعك ، لا فيما يلزمك [ حبالها ] « 3 » فإنّك ليوشك أن ترى عاقبة أمرك حسنا أو قبيحا . واعلم يا بنيّ ، [ أنّك ] إنّما خلقت للآخرة لا للدنيا ، وللبقاء لا للفناء ، وأنّك في منزل قلعة ودار بلغة ، وطريق إلى الآخرة ، وأنّك طريد الموت ، فأكثر ذكر الموت الذي لا يفوته هاربه « 4 » ، واذكر « 5 » ما تهجم عليه ، وتفضي من بعد الموت إليه ، واجعله أمامك حيث تراه ، فيأتيك وقد أخذت حذرك منه ، واذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم ؛ فإنّ ذلك يزهّدك فيها « 6 » ويصغّرها عندك ، مع أنّها قد نعت لك نفسها ، وتكشّفت عن مساوئها ، فلا تغترّ بما ترى من إخلاد أهلها إليها ؛ فإنّهم كلاب عاوية ، وأسود ضارية ، يهاب بعضها بعضا « 7 » ، ويأكل عزيزها ذليلها ، وكثيرها قليلها . واعلم يا بنيّ ، أنّ اللّه سبحانه قد أذن بخراب الدنيا وعمارة الآخرة ، فإن تزهد فيما زهّدتك فيه منها ، وترغب عمّا رغبت عنها ، فأنت أهل لذلك ، وإن كنت غير قابل نصحي لك فاعلم علما يقينا أنّك لن تبلغ أملك ، ولن تعدو أجلك ، وأنّك في سبيل من كان قبلك ، فاخفض في الطلب ، وأجمل في المكسب ؛ فإنّه ربّ طلب جرّ إلى حرب ، وأكرم نفسك عن كلّ دنيّة وإن ساقتك إلى الرغائب « 8 » ؛ فإنّك لن تعتاض بما تبذل من

--> ( 1 ) . هذا هو الصواب ، وفي النسخة : « باب المتاب والأسباب . . . » . ( 2 ) . « وابثثه ذات نفسك » أي : اكشف له عمّا في نفسك . ( 3 ) . في الأصل ( حنالها ) ، والظاهر أنّه صحّف ( حبالها ) ب ( حنالها ) ، والحبالة : المصيدة ؛ فقد جاء في كتاب الاعتبار وسلوة العارفين : « يلزمك حباله ويبقى عليك وباله » . ويمكن أن تكون العبارة ( خبالها ) ، وقد صحّف خبالها ب ( حنالها ) ، والخبال : الفساد والعناء . ( 4 ) . وكتب كاتب الأصل فوق قوله : « يفوته » : ينجو . ( 5 ) . وفي سائر المصادر : « وذكر » . ( 6 ) . وكتب فوقها : في الدنيا . ( 7 ) . وفي نهج البلاغة ، والاعتبار وسلوة العارفين : « يهرّ بعضها على بعض » . ( 8 ) . هذا هو الصواب ، وفي الأصل : « وإن ساقتك إلى الرعب » .